
أما آن الاوان أن نتحدث عن رحيل المبدعين العراقيين بعيداً عن وطنهم بشئ من الجدية وبعيدا عن الاسقاطات الذاتية وحب الظهور على حساب غياب أحدهم وكأنها فرصة للبعض فقط لاستعراض مدى معرفته بالراحل(ة) او عدد الدول التي زارها في انتظار لقاء مع هذا المبدع او ذاك حتى صرنا نقرأ هذه الشهادات بعيدة كل البعد عن المبدع الراحل وانما نقرأ سيرة يومية لكاتب الشهادة مستفيدا من المناسبة وهذا لا يحدث فقط مع المبدعين الراحلين وانما حتى مع الأحياء عندما نحتفي بأعمالهم بين الحين والآخر في ملف أو دراسة أو هكذا يفترض : أن نحتفي بابداعهم ! . ألم يحن الوقت أن نعتبر رحيل المبدعين العراقيين ،هكذا، مشكلة حقيقية تستلزم الدراسة والبحث وايجاد حلول لها ؟؟ ألم يحن الوقت كي تقف بعض المؤسسات الثقافية المستقلة وراء هذا الموضوع لتحل بعض العقد التي تكتنف أسباب نزوحهم وغربتهم الدائمة في الداخل والخارج ولنترك الحكومة نائمة في انتظار قبلة الحياة الابدية ؟! . أزمة المثقف العراقي ليس في ايجاد وطن بديل لوطن لفظه ورفضه ولكن أزمته هو ايجاد نفسه في هذا الوطن . الوطن متاح للكل والأمكنة ليست حدا فاصلا لتكوين وطن وانما النمو الاضطراري خارج بطانة المواطنة والحق المشروع هي الازمة الحقيقية . وهذا ما لا يفهمه البعض ويصرّون على تصنيف المثقف العراقي بشتى انواع التصنيفات . وهذا واضح من خلال الملتقيات والمؤتمرات التي يشارك فيها المثقفون العراقيون فلا تكون في هذه المناسبات الا ورأيت تكتلات تشبه احزاب وليدة اللحظة ولا تجد منفذا للحوار وتستقبل اشارة معاقة لا تكاد تتحرك تقول لك بصراحة ( إما معنا أو ضدنا ) وهذا النهج إن كان واردا في كل المؤسسات يجب أن تغيب عن المؤسسة الفكرية والانسانية وهذا ما تمثله الثقافة ، على ما أظن . والطريف في الأمر ان المثقف العراقي ذاع صيته في هذه الناحية إذ انك تفاجأ بسؤال مستديم عندما تلتقي المثقفين من العرب : هل انتم من الداخل ام من الخارج ؟ لانه في اعتقاده ان هذا التصنيف يتيح له معرفة حدوده ونمط التعامل معهم. ولا ألقي اللائمة بالمثقف العربي وانما أحاسب نفسي اولا والاخرين من بعدي بخلق هذه الهوة بين المبدعين لاسباب سياسية بحتة لا تكاد تنتهي عند حد معين اذ تصل المهاترات و( المناوشات ) بينهم الى حد الضرب احيانا واضف الى ذلك جهلهم التام بما يتفاصلون عليه . منذ رحيل الرائدة ( نازك الملائكة ) وانا في تفكير مستمر عن التربة التي تواري رفات هؤلاء المبدعين والاصلاء وربما الاكثر وطنية من اي مزايد على وطنيتهم . كما قلت الوطن ليس مكانا بل هي معايشة الروح بالوجود مع غياب ارتباط الجسد بالموجودات. وبرحيل ( سركون بولص ) تكاد النبوءة تكتمل في اقتراب نفاذ الهواء العراقي من الوجود . أمر على الكثير من المقالات التي تكتب بأقلام عراقية لا تقل جودة عن أقلام عربية فذة ولكن أبحث دائما عن الأحرف التي تستطيع أن تتعامل مع النقاط والهمزة بحيادية وتستغني عن لوي ذراع المعنى ولو لفترة ، فهل نأمل أن توحد الثقافة ممثلة بمبدعيها ومفكريها ملامح العراق بدلا من تصنيفها الى ملامح جارحة ومحطمة مثل قطعة أثرية لها قيمتها ولكن ليست مكتملة لتضاهي الأهرامات في استمراريتها الى وقتنا هذا ؟!!.
· المعلم الأكبر الضرورة
( إلي مالوش كبير نشتريلو كبير) مثل مصري عامي قديم ولكنه بالغ في الأهمية وربما يتساءل البعض ما مناسبة هذا المثل في مثل هذا الموضوع ونحن الان في عصر الذات والاعتماد على النفس في كل شئ باسثناء الانجاب ! وان كان بمقدور البشر القيام بذلك لما تردد وربما ظاهرة (الاستنساخ البشري )كان نتاج هذا الشعور بالتوحد والفردانية في الوجود . مهما حاولنا تجنب الشعور بملازمة الآخر نبقى بحاجة الى وجود المعلم الأكبر ليس لأننا لم نعد نفرق بين الطريق المستقيم والطريق المتعرج ولكن المشكلة باننا أصبحنا نفهم أكثر من المعتاد وهذا ما يدفعنا الى ان نلجم بعض الأفكار النافرة لانها تتخطى حدود المعقول وتصل حد الايذاء في أحايين كثيرة . إذن ، المعلم الأكبر مطلوب ومواصفاته ليست تعجيزية تبقى المسألة مسألة إقدام والشعور بالآخر . اذا كنا قد عجزنا من المؤسسات الحكومية وذات الصلة بالحكومة لعدم فاعليتها في أغلب المواقف . واذا كنا عاجزين عن تقبل الآخر على اختلافه ، يجب علينا ايجاد منطقة وسطى كي نستطيع الموازنة بين ما هو متاح حاليا على الساحة وبين الفكر المطروح . لا يضيرنا اذا قدمنا بعض التنازلات من اجل إحياء تاريخ ضامر، ولا نقصد هنا بالتنازلات هي تغيير المبادئ أو التذلل ولكن هناك مواقف تستلزم منا اللين في تقبل إختلاف الآخر ولا أعرف لماذا يجد البعض صعوبة في بلع لقمة ربما لا تكون مستساغة ولكنها ليست مميتة وتسد الجوع في حالة اضطرارية ، غير باغية . هنا ،يفهم القارئ أنني أشير الى ما تبقى لدينا من مبدعين كبار ونتمنى عليهم ان يشغلوا صفة ( المعلم الأكبر ) في غياب الانظمة الفكرية وفي ظل تشتت الأحلام والأوهام معا علّ كلمتهم العليا توحد ما تبقى لنا من وجود .. الوجود .. الوجود ، على أساس هذا يجب ان يعامل الانسان بكل حيز يشغله وبكل فعل يقوم به وأظننا بأمس الحاجة الى هذا المعلم .
· وطنٌ أبدي
مازال البعض يتذكر (الحقن الزجاجية) التي كنّا نستخدمها مرارا وتكرارا وذلك بتعقيمها بالغلي الى أن ظهرت الحقن البلاستيكية التي تستعمل لمرة واحدة (disposable ) وهذه عبارة ترفق مع المنتج لتنبيه المستخدم بأن المنتج صالح للاستعمال مرة واحدة فقط. ومازلنا نتذكر الأكواب الخزفية المذهبة إلى أن بدأنا نستغني عنها بأكواب ورقية أو بلاستيكية ، أيضا استعمال مرة واحدة . وتمر علينا يوميا مئات المنتجات التي نرميها بعد استعمالها لمرة واحدة وفي بعض الاحيان تتحمل لاكثر من مرة مثل ( قلم الجاف ) الذي أُبتكر ليكون بديلا عن ( قلم الحبر ) وشتان ما بين القلمين . ومنها اختراعات كثيرة ومتوقعة للسنين القادمة ، ولكن لم يخطر ببالنا اننا نعيش في وطن ، استعمال مرة واحدة . وكأنه كتب على المثقف العراقي ان يولد في وطن ويعيش في مكان يراه بديلا للوطن ويكاد لا يستقر حتى أيامه الأخيرة . كلنا مشتركون في هذه المحنة سواء كنّا في الداخل أو في الخارج . لكن المسألة التي تغيب عن ذهن المثقف العراقي هو كيفية التعامل مع التغييرات التي تحدث بغتة . نطعن في كل إنجاز يظهر لخدمة الثقافة العراقية ونعتبر من يسعى لايجاد منفذ للسلام انما هو مسخ ومتواطئ مع جهات تسعى الى خراب الساحة العراقية بجميع مرافقها . ربما يكون الامر صحيحا عندما يصدر من فرد متمكن ويعيش الوطن كما يجب ولكن اذا كان يقاسم الآخر الرافض له في غربته ومنفاه وعدم استقراره ، أظن في هذه الحالة يجب أن نعيد النظر قبل ان نصدر أية احكام تجاه خطوات تحاول تقريب الأراء والأفكار . وكم هو مؤلم أن تسمع أحد الكتاب العراقيين يتباهى بأنه أنجز كتابا من خمسمئة صفحة يفضح فيه كل المبدعين العراقيين وكم هو مؤلم أن ترى بين الحين والآخر إصدار قوائم بأسماء مبدعين عراقيين مطلوبين للاعدام فورا والارقام مخيفة جدا إلى درجة انك تتخيل نفسك واقف أمام محكمة فاشية وصاحب معد القائمة مبدع عراقي ايضاً! هل إن إقصاء هؤلاء سيعيد إلى الساحة العراقية عافيتها أم أن التفكير قدما إلى خلق بوادر جديدة من أجل نسج حبكة جديدة لتاريخ جديد قائم على الاختلاف كأساس للابداع المستمر ونافذة، لتكن صغيرة، للحوار والنقاش . المثقف العراقي موجود بكل أوجهه وفعّال ولكن خدمته دائما تأتي بالاتجاه المعاكس ... خلق العراق أصلا لتكون خيراته لغير أبنائه فلماذا نستغرب توجه الثقافة بشكل عام ؟؟!! هل يأتي اليوم الذي نستلهم فيه القوة من قول رئيس الوزراء التركي ( أردوغان ) عند فوز ( أورهان باموك ) بجائزة نوبل : لننح خلافاتنا السياسية جانبا ونحتفل بالمناسبة !. هل سنفكر قدما في انشاء وطن افتراضي ولكن هذه المرة Immortal Home) ) .
· الإنسانُ الوطن
نُجبَر أحيانا على تقبل أمر غياب الوطن ولكننا لسنا مجبرين على تقبل فكرة غياب الانسان . لم يكن واردا في يوم من الايام في تاريخ البشرية . العالم بدأ بالانسان ومن بعده جاء اختيار المكان . أما اذا كان اعتبار الوطن هو منشأ وضمان الحقوق في احترام الذات والوجود الانساني واعتبارات أخرى تعلمناها من الاناشيد الوطنية ، فعلينا أن نبذل قصارى جهدنا كي نصاب بنعمة الغثيان أو النسيان، لافرق . اذ ان هذه الاعتبارات لم تعد تطبق على أوطاننا ، لان الفرد ( منزوع النوى ) منذ الولادة ويعامل معاملة –الفطر- في نموه واستهلاكه . يعني بالفصيح ( مواطن موسمي) وربما طارئ . العلمُ وجد لكل معضلة حلاً الا النفس البشرية ، حتى فرويد نفسه قام بتحليل النفس البشرية ولكن دون اعطاء الحلول الناجعة مما عقد الامور اكثر لاننا تعرفنا على انفسنا من خلال مرآة الذات التي وضعها امامنا فتشابكت المعرفة واسباب الوجود امامنا دون ان نجد سبيلا الى البر . وبقينا في دوامة التساؤلات لوقتنا هذا . وأظن هنا يكمن سرّ استمرارية الحياة .
اذا ما كان المسيطرون ،على مكان أسمه وطن بالنسبة لنا ، يصادرون حرياتنا بأعتى الاساليب من قتل وتهجير وتكميم الافواه واضطهاد.. نحن كمثقفين علينا تجاوز كل الانكسارات الانسانية ولنبن جسور التواصل والتفاهم بين مختلف الافكار على أساس وجود الانسان وحقه المشروع في القول ، وان يكون فراغ ما في رقعة ما من سماء هواجسنا، رقعة تضم انتمائنا اللا منتمي وفاعليتنا في توليد الايام من بعضها. هل سيمر على المثقف العراقي يوما أن يكون على خلاف ما يتنبأ له الآخرون.







